Skip to main content

أمن الوطن وبناء الأمم

يأتي شعور الانسان بالأمان ضمن مدرّج احتياجات البشر الرئيسية في ثاني مرتبة بعد الحاجة الى الهواء والماء والغذاء واللباس. ولعله من اهم اسباب نشوء أنظمة العيش والمجتمعات بدءاً من تكون الجماعة والقبيلة، وصولاً الى نشوء الدول كنظام متكامل لضمان امن البشر ونشوء الحكومات كآلية لتطبيق وادامة نظام الدولة الذي يهدف في صلب أسباب نشوئه الى نقل المواطن من واقع حال معين الى واقع حال أفضل، ليضمن توفير متطلبات العيش الكريم التي يتصدرها في الاولوية توفير الامن على مختلف الأصعدة ضمن اهداف محددة، ولكنها جوهرية، لدعم شرعية وجود الدولة. من امثلة هذه الاهداف هي رفع مستوى معيشة المواطن بما يؤدي الى الرفاه وتحصين امن وسلامة المواطن والوطن او المحافظة على قيم المجتمع والحفاظ على تاريخه وتراثه. هنا يأتي دور الحكومات ومسؤوليتها في تطبيق وتطوير السياسات المعنية بتحقيق أسباب نشوء الدولة وادامتها.
الثورات الشعبية كمثل الربيع العربي، والتغيرات الدولية كمثل قيام الثورة الاسلامية الإيرانية وامتدادها بعد العام 1979 الى سواحل البحر الابيض المتوسط، وانتشار العولمة والخزين الهائل للطاقة في المنطقة وغياب قطب الاتحاد السوفيتي وغيرها من متغيرات كبيرة، كلها عوامل ومؤثرات ساعدت على تسليط قوى استقطاب دينية ومذهبية وعرقية وقومية في منطقة الشرق الأوسط لتتحول الى منطقة أزمات وساحة صراعات وحرب باردة بين أقطاب إقليمية ودولية. ولعل الحرب الاهلية السورية وما يحدث في العراق الان من ابرز الافرازات لذلك. التساؤل المهم بالنسبة لنا كعراقيين يدور حول قدرة مقاومة الجسم العراقي لهذه المؤثرات وحصانته ضد تبعاتها، وما هي التداعيات المحتملة على مجتمع تعددي مثل المجتمع العراقي؟

أمة مكونات عريقة

الأمة العراقية أمة مكونات عريقة واساســــــاتها وتنوعاتها، الدينيــــــــة والاثنية والقومية والطائفية، تمتد الى أعماق التاريخ، ولكن قوامها ووئامها بحاجة الى إعادة البناء لتصمد بوجه المؤثرات والتحديات التي تواجهها في عالم اليوم. وحيث إن عملية بناء الامم عملية منهجية وتتكون من مراحل بنسق محدد، فينبغي علينا اولاً الاتفاق على الإطار العام الذي يحدد الرؤى الاساسية الأربع التي يُرجى تحقيقها، ايجاد الامن والرفاه وحفظ القيم والتاريخ. وينبغي علينا ايضاً تعيين الاهداف التي يمكن بتحقيقها ان تتجسد تلك الرؤى، ومن ثم تحديد الستراتيجيات التي تعتمد على الموارد المتاحة للوصول الى الاهداف المعيّنة. وينبغي بعد ذلك وضع برامج قصيرة وبعيدة المدى ضمن إطار الستراتيجيات المحددة وتسمية المشاريع الواجب تنفيذها لكل برنامج. والأهم الذي نفتقد اليه حالياً، هو اعداد الاليات وسن القوانين لمتابعة ومراقبة سير المشاريع للتأكد من تحقيقها للنتائج المطلوبة ومراجعة النتائج ووضع الخطط البديلة عند حدوث أي فشل او خلل وتحديد سبل التطور والتقدم. في هذه المرحلة تحديداً، نحن بحاجة ماسّة الى وقفة صريحة وحقيقية لتحديد نوع خطط العلاج وماهيته.بمعنى اخر، هل ينبغي ان يكون العلاج من منطلق تغيير الواقع بشكل جذري (اي خطط ثورية)؟ ام إن الحاجة لا تتطلب أكثر من إحداث تغييرات غير جذرية (اي خطط اصلاحية)؟.
في الوقت الذي يعتبر فيه الامن الوطني واحداً من اهم الاهداف التي تسعى الدولة الى تحقيقها، فهو عامل أساسي ومن اهم المقوّمات التي يعتمد عليها تحقيق الأهداف الاخرى. قد تختلف او تتشابه البلدان في تركيبة عناصر امنها الوطني (ويسمّى احياناً بالامن القومي) وآليات التعاطي معها. ففي ظل الظروف الراهنة، تتصدر اهمية محاربة الارهاب مثلاً قائمة الأولويات التي تحقق الامن الوطني في الكثير من البلدان على اختلاف مستويات تقدمها واستقرارها، واولّها العراق. فبالنسبة للحالة العراقية، تضم قائمة الأولويات عناصر محددة اخرى ومهمة جداً وتشكل خطراً داهماً على امن العراق الوطني، على رأسها الفساد الاداري والمالي وثقافة العنف والطائفية والتصلّب الفكري، من الناحية الحضارية، وتدني أسعار النفط وتضييق الخناق على مصادر المياه، من ناحية الموارد المالية والطبيعية. ومقابل ذلك ترى في دول أخرى عناصر قد تختلف تماماً عن العناصر في الحالة العراقية، ولكنها تشكل نفس التهديد على الامن الوطني لتلك الدول. من الأمثلة على ذلك، خرق الحريّات الشخصية لأغراض حفظ الامن القومي في الولايات المتحدة، كبت حرية التعبير في فرنسا، شح المياه في اليمن. هذا بالنسبة للعناصر الأمنية المتغيرة حسب تغيرات الظروف الدولية او المحلية، وبالنسبة للعناصر الأمنية الثابتة التي تتعلق بحياة المواطن اليومية والتي ينبغي على الدولة توفيرها للحفاظ على امن المواطن وصيانته، فتشمل الامن السياسي، الاقتصادي، الثقافي/التراثي، البيئي، الثروات الطبيعية والانسانية،الاجتماعي،الزراعي، الصحي، القضائي،المعلوماتي وامن الحدود، والامن من وقوع اسلحة دمار شامل بيد منظمات الارهاب وحتى الامن من الكوارث الانسانية والطبيعية وغيرها.

تحقيق الأمن الوطني

بالتأكيد فان مهمة تحقيق الامن الوطني مهمة ليست سهلة، خصوصاً وان البلدان التي تواجه محناً وكوارث طبيعية او انسانية او تواجه خروقات امنية تجد صعوبة في تحديد الاهداف التي تكفل معالجة التحديات الانية التي تتعرض لها، وتحقق أهدافها المرجوة ضمن جدول زمني وبرنامج عمل واضح ودقيق وواقعي. بالنسبة للمعادلة العراقية متعددة الاطراف، فلا يمكن وصف مهمة علاج التداعيات الخطيرة التي يمر بها العراق باي مصطلح قريب من البساطة او السهولة، فهي مهمة صعبة ومعقدة جداً، عجزت اغلب دول العالم عن فهمها، ولا يمكن لغير العراقيين أنفسهم تنفيذها. إذ انها تحتاج الى تقييم دقيق ومتابعة موضوعية للتحولات والتغيرات السياسية والثقافية والامنية وغيرها من المتغيرات.ولعل السعي قدر الامكان لمعرفة الاسباب الجذرية التي تعيق تطور المجتمع العراقي سيُعجل ويسهّل عملية وضع خطط فاعلة لمعالجة وتصحيح الواقع العراقي.  هذه المعالجات لا تتم الا بعد تشخيص منهجية ومفردات الامن الوطني الذي يعتمد على تحديد طبيعة المشاكل التي تواجه العراق، ومن ثم تحديد المرجعيات لتلك المشاكل مع تحديد إطار عملها، ومن ثم تحديد سياسات معالجة لكل مشكلة وتتبعها لتحديد اليات المعالجة لكل مشكلة، واخيراً تحديد الخيارات السياسية المتاحة واليات علاجها.
وهنا تبدأ نقطة الصفر بتقييم دقيق قدر الامكان للواقع الامني والسياسي والعسكري والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي والصحي والثقافي والبيئي وجميع مكونات الحال العراقي. وهنا يكون دور المحللين وغيرهم من ذوي الاختصاص العلمي التحليلي جوهريا في تشخيص الاسباب الحقيقية للحالة التي يعيشها المواطن والدولة العراقية. ولعل التعجيل بإقامة تعداد سكاني دقيق هو من اهم الضروريات الستراتيجية ويمثل مقدمة مهمة لتوفير مقومات النجاح لبرنامج اي حكومة تود بناء الدولة وامنها على أسس صحيحة.

من خلال قراءة موضوعية للتحديات التي تواجه العراق والتطلعات التي يطمح اليها،يمكن تشخيص العناصر الاساسية والاولويات التي تقوّض امنه الوطني وهي:

  • الارهاب واشاعة ثقافة العنف التي قد تؤدي الى سلوك منهج التطهير العرقي والطائفي والتهجير القسري وغيرها من مظاهر العنف.
  • الفساد المالي والاداري بكل انواعه والجريمة المنظمة.علماً ان شيوع وتقبّل ثقافة تجاوز القانون من خلال ممارسات الفساد المالي والاداري سيُغرق البلاد في دوامات الازمات ومنهجية اطفاء الحرائق، ناهيك عن عدم القدرة على تحصين الدار اصلاً من الحريق.
  • سهولة استحواذ المواطنين على السلاح بأنواعه وحرية استخدامه. وهنا من الضروري ان ينتبه الجميع الى ان احتكار الدولة للسلاح هو من ابجديات الدول السليمة المتعافية.
  • البطالة والبطالة المقنعة.
  • مشكلة التصحر وتضييق الخناق على مصادر المياه وخطورة ذلك على الامن الصحي والزراعي والبيئي.
  • استمرار انتشار الالغام ومخلفات الحروب السابقة.
  • تدهور أسعار النفط عالمياً والاعتماد المفرط على النفط.

ومن خلال تحليل موضوعي للمشاكل والتحديات التي تواجه العراق، يمكن تشخيص بعض الحلول الممكن تطبيقها لتحقيق الامن الوطني وهي:

  • العمل على بناء قدرات أجهزة الدولة المعنية بمواجهة حالات الطوارئ والكوارث الإنسانية ورفع مستوى جاهزيتها.
  • الاستثمار بالبنى التحتية لإنشاء أنظمة اتصال تسمح بتبادل المعلومات والتواصل بين اجهزة الدولة المعنية بعناصر الامن الوطني.
  • توحيد معاني وتعاريف ورؤية عناصر الامن الوطني بين مؤسسات الدولة وتوزيع المهام بشكل واضح وإيجاد الية تضمن عدم تقاطع عمل مؤسسات الدولة فيما بينها. 
  • تحديد لَبَنات بناء اسس حوار حقيقي بين مكونات المجتمع العراقي وتقوية نسيجه وفق مبادئ تضمن الحريات وتمنع التجاوزات.
  • رفع معايير اختيار عناصر الاجهزة الامنية مع التركيز على الكفاءة دون الالتفات الى المعايير التي لا تجدي نفعا من الناحية العملية.
  • تجديد آليات الممارسات الأمنية واعتماد قوانين تسمح بتوظيف التكنولوجيا الحديثة والتركيز على البعد المخابراتي والوقائي.
  • اشاعة روح وثقافة الادارة الرشيدة. واخذ الابعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية والثقافية بنظر الاعتبار في جميع تشريعات وسياسات الحكومة.
  • التعجيل باصدار قوانين اساسية مثل قانون النفط والغاز، او قانون الاحزاب او قانون حرية الصحافة وغيرها.
  • تحديد المستلزمات الحقيقية لإنجاح الاستثمار ومعالجة اسباب تلكوئه.
  • تنويع مصادر الدخل الوطني واستغلال جميع الموارد على اختلاف مصادرها لتحقيق اعلى دخل ممكن بعيداً عن مورد النفط.

بعبارة مختصرة، لابد من ان تقوم الستراتيجية الكفيلة ببناء منظومة امن وطني عراقي ناجحةعلى أسس مدروسة ولبرنامج قد يحتاج الى عقد او عقدين من الزمن لتنفيذه، وان يتم تنفيذها على مراحل محددة بحيث تضمن برامجها ومشاريعها بناء الانسان العراقي وفقاً لطموحاته وقدراته ورؤاه. هذا البناء لا يمكن ان يتم او ان يعطي نتائج ايجابية مضمونة من دون الاستثمار في بنى البلاد التحتية الأساسية والانسانية. وينبغي ان نأخذ الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بنظر الاعتبار في كل مرحلة من مراحل البناء، مع الاهتمام بآليات المراجعة والتدقيق والادارة الرشيدة، وبذل الجهود للحصول على قبول الاطراف المعنية من اجل ادامة نجاح المراحل التي يتم انجازها، فبتحقيق وترسيخ الامن وببناء الانسان تتمكن الشعوب من بناء مجتمعاتها والنهوض بأممها.

سفير العراق في واشنطن

المصدر: http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=106544