Skip to main content

الإطار الستراتيجي لسياسة العراق الخارجية

تولي الدول العلاقات الخارجية أهمية بالغة وتعمد الى تعزيز تلك العلاقات بهدف تأمين تحقيق الاهداف والمصالح الوطنية العليا. ان التفاعلات الخارجية بين الدول هي من ابرز ملامح السياسة الخارجية، وتعتمد على مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية.
وبالرغم من ان مسؤولية رسم السياسة الخارجية لدولة العراق تقع على عاتق مختلف مؤسسات الدولة العراقية، ومن ضمنها الحكومة، إلا ان عملية صنع القرار السياسي الخارجي تعكس تطلعات البيئة الداخلية بمكوناتها المختلفة، وتعمد الحكومة الى توظيف الادوات المختلفة لتنفيذها في ضوء الامكانات المتوفرة. ولكي نحدد الاطار الستراتيجي العام للسياسة الخارجية العراقية فاننا نحتاج الى تحديد المحاورالاساسية لرسم السياسة الستراتيجية لكي تكون سياستنا الخارجية واقعية ومنهجية وطويلة الامد.

المحاورالاساسية

بعد مرور اكثر من عشرة اعوام على تأسيس نظام سياسي ديمقراطي في العراق، يبدو ان الحكومة الائتلافية ستكون الصفة الملازمة لنظام الحكم فيه خلال المرحلة المقبلة. ومع وجود بعض المآخذ المتعلقة بمدى فاعلية الحكومات الائتلافية في العراق، إلا انها تضمن مشاركة واسعة في الحكم وتعزز الاستقرار الوطني خصوصاً خلال المراحل التي تشهد توترات سياسية عميقة والتي تؤثر سلباً على الواقع الاجتماعي والسياسي، وبشكل عام فان نتائج الانتخابات البرلمانية هي التي تحدد شكل الحكم في البلاد. يعكس البرنامج الحكومي في هذا النظام رؤية الحكومة المنتخبة، بمكوناتها المنضوية تحت مظلتها من احزاب وقوى سياسية، للمتغيرات الداخلية والخارجية وبما ينسجم مع المبادئ الاساسية التي نص عليها الدستور.
ولكي نتغلب على اشكالية ضعف فاعلية الحكومات الائتلافية في صناعة سياسة خارجية قوية للعراق، تحتاج مؤسسات الدولة العراقية الى تحديد المفاهيم والاطر الستراتيجية العامة للسياسة الخارجية لكي تفسح المجال امام الحكومات الائتلافية للتركيز على وضع آليات تنفيذ برنامجها الحكومي. ولعل الاشكالية الثانية تكمن في غياب التقييم الموضوعي لاداء الحكومات السابقة وتعزيز ثقافة البناء على ما تحقق من انجازات خلال الفترات السابقة في علاقة تكاملية نحو بناء العراق لكي يتضح الاطار الستراتيجي العام للدولة العراقية ويُحدد اطار الحركة والسياسة الخارجية للحكومات الائتلافية.
تقوم السياسة الخارجية على قواعد ثابتة تستمد اسسها العامة من روح الدستور بالاضافة الى مكانة البلاد ودورها في المسرح الاقليمي والدولي، وان الكيفية التي تستجيب بها الحكومة للمتغيرات المحيطة بها تخضع لعوامل عديدة منها استقلالية وسيادة القرار الوطني من جهة بالاضافة الى ما تمتلكه من امكانيات وموارد لمواجهة تلك المتغيرات. ان تحديد الاطار الستراتيجي يعتمد على فلسفة الدولة وفكرها ونظامها السياسي سواء كانت الدولة اشتراكية، او خاضعة للاقتصاد الحر، او اسلامية، او محافظة، او ثورية.
يحدد المعيار الذي يتبعه العراق في رسم سياسته الخارجية نمط علاقاته الخارجية مع المحيط الاقليمي والدولي كسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى وتبني القيام بدور فعال وايجابي في محاربة التحديات الكونية كالاحتباس الحراري او الارهاب والتطرف وغيرها من الامور التي لها آثار دولية لا تخص العراق لوحده. وقد بات ضرورياً التوصل الى قناعات واضحة في تحديد المحاور الاساسية لرسم السياسة الخارجية لكي تكون سياسة العراق الخارجية، سياسة واقعية ومنهجية وطويلة الامد ولا ترتبط بالسلطة الحاكمة وحسب.

الأهداف

يخضع وضع الاهداف في سلم الاولويات لستراتيجية واضحة الى رؤية تستقرئ الواقع وتستمد ملامحها من القضايا التي تسعى الحكومة الى معالجتها سواءً على الصعيد الداخلي اوالخارجي، فعلى سبيل المثال قامت الحكومات المتتالية منذ العام ٢٠٠٣ بالسعي الى معالجة الكثير من القضايا العالقة التي خلفها نظام البعث الدكتاتوري مع دول الجوار والمجتمع الدولي من التزامات مالية ومشاكل سياسية وقانونية وغيرها.
لا تبدو مهمة تقييم الواقع العراقي مهمة يسيرة بل تحتاج الى آليات جديدة تبحث في تشخيص الاسباب الرئيسية التي تقف وراء التحديات التي تواجه العراق اليوم وايجاد الحلول الجذرية لها وليس ايجاد حلول آنية وحسب. وهنا نحتاج الى مراجعة شجاعة لتشخيص الواقع الذي يعيشه العراق بالمقارنة مع الدول الاخرى، على جميع المستويات الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الاستثمارية وغيرها. ولعل الانفتاح على الآخرين واعتماد المعايير الدولية، مثل الشفافية العالمية وغيرها يساعد على تشخيص الواقع العراقي.

تراعي العديد من الدول عدداً من العوامل الثابتة والمتغيرة خلال عملية وضع ستراتيجياتها المتعلقة بالسياسة الخارجية ومنها عامل الزمن، وتستفيد من الاعلام لتسويق ثقافتها، وتعمد تلك الدول الى اجراء مراجعة لأدائها كجزء اساسي لتطوير امكانياتها، لذا فان تشخيص الثقافة السلبية الموروثة ومعالجتها يعتبر امراً مهماً لما للثقافة من اثر بالغ في ديمومة تقدم المجتمعات.

يحتل العامل الاقتصادي اهمية بالغة كغيره من العوامل الاخرى في رسم مسار البلاد في تفاعلاتها الخارجية، لذا فان فلسفة الحكومة تجاه تبنيها لنظام اقتصادي معين لها اثر كبير في تحديد الآليات الضرورية لتنفيذ سياسة البلاد الخارجية بغية تحقيق الاهداف المرجوة. وتزداد الحاجة الى اعادة النظر في شكل الاقتصاد العراقي في ظل اشكالية نظامه الريعي الذي يعتمد بشكل اساسي على واردات النفط فقط، وهوغالباً ما يجعل قدرة الدولة ضعيفة جدا في مواجهة الازمة الناشئة من انخفاض اسعار النفط في ضوء النمو السكاني السريع وتعاظم الحاجة الى زيادة الانفاق في المجال العسكري والامني. وهنا تبرز الحاجة الى البحث عن بدائل اخرى لتنويع الموارد الاقتصادية والاستعانة بها في تعزيز الموازنة العامة للبلاد والانتقال من مرحلة المعالجات الآنية الى مرحلة وضع حلول بعيدة المدى والبدء بعملية اعادة هيكلية النظام الاقتصادي وبما ينسجم مع امكانات البلاد. ان تحديد شكل النظام الاقتصادي مهم في عملية رسم الخطط واعداد البرامج الاقتصادية لتطوير الاقتصاد وكذلك في تحديد شكل العلاقات الاقتصادية مع دول العالم.

تميل الدول التي لا يقوى اقتصادها على التنافس الدولي في ظل العولمة التي يعيشها العالم اليوم الى بناء علاقات ستراتيجية مع القوى الاقتصادية في العالم لأجل نمو وتطوير مؤسساتها الصناعية، فالتوجه نحو بناء اقتصاد قوي وعلاج الازمات الاقتصادية التي يمر بها العراق يحتاج الى استثمار الخبرات التي تمتلكها المؤسسات الاقتصادية العالمية كالبنك وصندوق النقد الدوليين وكذلك الاستفادة من المجموعات الاقتصادية الكبرى كمجموعات الدول الصناعية السبع والثمان والعشرين وغيرها. وقبل الشروع باقامة علاقات ستراتيجية مع الدول نحتاج الى ان تكون لدينا قراءة دقيقة للمشهد الدولي الذي تتحرك فيه الدول وأهمية الابعاد الاقتصادية اوالجيوسياسية او الجيواجتماعية في العالم بالاضافة الى دور الدول الكبرى ضمن تكتلات الدول الصناعية السبع والثمان والعشرين وغيرهم مثل الاعضاء الدائميين في مجلس الامن في التعاطي فيما بينها ومع الدول النامية.

ان جزءاً اساسياً لتعاملاتنا وتعاطينا مع الآخرين يتعلق بمدى فهمنا لهم اولاً ومعرفة اصول العمل الدولي وقواعد التعاطي السياسي والاقتصادي معهم ايضاً بالاضافة الى معرفة ما تمتلكه من امكانيات وما تقدمه من فرص، وهذا يعني معرفة قواعد اللعبة قبل خوضها.
يقود العراق اليوم حربا ضد احد اكثر المجاميع الارهابية عنفاً وتسليحا وثراء في العالم بعد سيطرة تلك المجموعة على عدد من المدن العراقية، فقد تضافرت عوامل عدة ساعدت على ظهور هذا التنظيم، منها ما يتعلق بالمشهد السياسي العراقي الداخلي واخرى خارجية، فبالرغم من سعي العراق الى اعادة علاقاته مع محيطه الاقليمي والعالمي بعد العام 2003 الا انه عاش في عزلة عن محيطه العربي وخصوصاً الدول التي لم تشهد تغيراً على مستوى نظامها السياسي ما ساهم في تعزيز انعدام الثقة وحالة من عدم الاستقرار السياسي في المنطقة وبالتالي تهيئة المناخ الملائم لبزوغ التنظيمات الارهابية فيها.

ان تصفية القضايا العالقة مع دول الجوار باتجاه بناء علاقات بناءة معها بعد ان تدهورت خلال المرحلة السابقة، بات امراً ضرورياً وعاملاً هاماً في استقرار العراق والمنطقة، مع مراعاة السيادة الوطنية للبلدان وبما يحقق المصالح المشتركة لهما. وفي ضوء خطورة المشهد السياسي الحالي وما تمر به المنطقة من تداعيات سياسية قد لا تقف عند حدود المنطقة بل قد تمتد الى مناطق مختلفة من العالم، تظهر الحاجة الى دراسة اهمية التحالفات الدولية، ودورها في المشهد السياسي الدولي وكذلك معرفة كيفية التعاطي معها لتوفير الحماية اللازمة للعراق في ظروف سياسية وامنية صعبة تمر بها البلاد اليوم، ولدرء المخاطر التي قد يتعرض لها العراق وهو في طور عملية البناء لمختلف جوانب
الحياة.

ولعل من اهم مستلزمات تحديد اطار ستراتيجي لسياسة العراق الخارجية هو تشخيص اولويات العراق امام التحديات الحالية، ومعرفة هل ان زيادة الانتاج النفطي مثلاً من اولويات العراق الحالية؟ ام اعادة بناء البنى التحتية في مختلف القطاعات هي الاولوية؟ ام ان تخفيض نسبة البطالة والبطالة المقنعة هي الاهم؟ ام ان معرفة ومعالجة الاثر السلبي والايجابي للزيادة السكانية السريعة هي الاولى؟ ام ان عملية التسليح لحماية الحدود و محاربة الارهاب هي التي تقدم على جميع ما سبق؟. وقد تكون جميع النقاط اعلاه مهمة بالنسبة للعراقيين ويجب ان تعالج بشكل آني. ولا تخفى صعوبة المرحلة الحالية، فالتحديات التي نواجهها تستلزم التخطيط ومعرفة الاولويات والعمل على استغلال واستثمار طاقات العراق المحدودة.

بعد تشخيص النموذج الذي يريد العراقيون ان يقدموه الى العالم، اي صبغة البلد، والكيفية التي يتم من خلالها تسويقه، لا بد من تهيئة وتثقيف الكوادر العراقية التي تكون في موقع التعامل مع دول العالم وخصوصاً الكوادر العاملة في وزارة الخارجية والاقسام التي هي في تماس مع دول العالم في مختلف الوزارات العراقية بالاضافة الى الملحقيات العاملة في الخارج من الناحية اللغوية والقانونية والعلاقات بالاضافة الى قدرات الكادر التسويقية وغيرها لتعزيز هذه الصورة.
ان من مقومات رسم الاطار الستراتيجي للسياسة الخارجية للعراق هو المعرفة التفصيلية والدقيقة لقدرات وامكانيات البلد، وتشخيص نقاط القوة والضعف في ثروات العراق كالطاقة، والتأثير الجيوسياسي للعراق في المنطقة بالاضافة الى كيفية استثمار دور الجاليات العراقية في
الخارج.

ان من بين اهم عوامل المعرفة المطلوبة لرسم اطار سياسة خارجية ناجحة هو تشخيص العناوين الرئيسية للامن الوطني العراقي واولويات معالجة ملفات عدة كشحة الموارد المائية واثر التصحر او الفساد المالي والجريمة الاقتصادية، او هروب العملة الصعبة وعمليات غسيل الاموال، او مخلفات حروب العقود الماضية مثل اليورانيوم المنضب، ناهيك عن الارهاب بكل اشكاله وتداعياته. ولابد من تشخيص الاسباب التي تقف حائلا دون وصول العراق الى مستوى تأمين الرفاهية للمواطن مع حفظ كرامته وعزته وسلامته.

ان تشخيص احتياجات البلاد يساعد في اختيار الشريك الستراتيجي، كما ان بناء علاقات مع دول العالم يتطلب اعادة النظر بالكثير من التشريعات المتعلقة بآليات كتابة وسرعة المصادقة على المعاهدات وغيرها لضمان انسيابية تلك العلاقات ومواكبة التحديات والتغيرات في بيئة الاعمال، بالاضافة الى اعتماد معايير دولية في التعامل مع الشركات العالمية بما يضفي نوعاً من المصداقية والثقة على اسلوب التعامل معها ويزيد من فرص اقبال الشركات العالمية على العراق. ان الانفتاح على دول العالم يستلزم اعداد اشخاص يمتلكون الخبرة اللازمة لاتخاذ القرارات الادارية الصحيحة والمعرفة الضرورية لتوظيف الموارد المتاحة.

في الاجابة على الاسئلة اعلاه والتحديد الدقيق للمعطيات الصحيحة لاطار السياسة الخارجية وتشخيص محاورها نستطيع رسم وتفعيل سياسة خارجية هادفة، متزنة، ممكنة التنفيذ، وبالتالي نستطيع تشخيص الشركاء الدوليين والمؤسسات الدولية التي من خلال التعاون معها نستطيع ان نبني شراكة ستراتيجية طويلة الامد وواضحة المعالم والاهداف.

رابط المقال: http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=83800