Skip to main content

السياسات الإصلاحية واختبارات الواقع

 تمرالكثير من الدول في الكثير من الأحيان بأنواع مختلفة من الأزمات السياسية أوالامنية او الاقتصادية أو الاجتماعية او من أي نوع من الازمات التي تنعكس على واقع الحياة في يوميات مجتمعاتها. وفي حال لم تعالج تلك الازمات بشكل موضوعي ومدروس، فستكون لها تداعيات مباشرة وسلبية على طبيعة العلاقة بين الحكومات وشعوبها، واحياناً بين مكونات الشعوب نفسها. ان البحث عن المعالجات للتحديات التي تواجهها الدول يتطلب من الحكومات والمجتمعات ايضاً التمعن وإدراك المسببات الحقيقية للازمة، والاعتراف بحقيقة المسببات حتى وان كانت قد حدثت نتيجة لسوء الادارة والتخطيط، التي هي في الاعم الاغلب السبب الحقيقي لمعظم الازمات.

تحديات كبيرة

من جانب آخر، نرى ان سر نجاح الحكومات في الدول المتقدمة والديمقراطية يعتمد بالدرجة الاساس على مدى تقبل وتفهم الناخب والشعب للبرامج والخطط التي تطرحها الحكومة قبيل عملية الاقتراع، وما تتضمنه هذه البرامج من رؤيا توضح حقيقة التحديات والمشاكل وعرض للحلول، مستفيدة من تجارب الماضي واخفاقات الحكومات السابقة وامكانات البلد المتاحة وقدراتها على المضي في تحقيق اهدافها المرسومة والتغلب على تحدياتها القادمة.
 فاذا نظرنا الى الشأن العراقي في ضوء هذه المقدمة ومعطياتها، مع الاخذ بنظر الاعتبارحجم التحديات الكبيرة والمعقدة والمتعددة التي تواجهها الحكومة والمجتمع في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والبيئية والامنية والعسكرية وغيرها، فمن السهولة التوصل الى حقيقة ان الوضع العصيب الذي يمر به العراق الان ما هو الا نتيجة طبيعية لتراكمات عقود من الزمن من سوء الادارة والتخطيط والابتعاد عن الحكم الرشيد، ناهيك عن تداعيات تجذر ثقافة الحرب والعنف وضعف سلطة القانون كنتيجة طبيعية لمرور المجتمع بسلسلة من عقود حكم «حزب البعث» وحروبها وبيوميات الإرهاب التي تسحق بوحشيتها وهمجيتها الكثير من القيم والمبادئ التي نهتدي بها في الظروف الطبيعية .

لا حلول سهلة

ومما يزيد في تعقيد الازمة ويضاعف من تأثيرها هو البحث عن الحلول السهلة والسريعة لمشاكل معقدة وعميقة في القدم. وبالتالي تسهم الحلول السطحية وغير المدروسة بخلق مشاكل إضافية تزيد من صعوبة الحل للمشاكل الموجودة أصلا. ولتقريب الصورة أكثر، التحديات التي تواجهنا في العراق مثل عظام الجسد التي تنمو بشكل مشوه لسنوات، بلغت في حالتنا أكثر من 30 عاماً. فمن المستحيل إعادة هيكل البدن الى هيئته الطبيعية بين ليلة وضحاها، فهناك حاجة الى تشخيص دقيق وخطة علاج تنفذ على مراحل بعلمية وعلى يد مختصين وصبر ووقت طويل يصل الى سنوات للتقويم بشكل صحيح ودائم. فالحلول السريعة مثل القلع والكسر والجراحة ستزيد من صعوبة الحل وتخلق مشاكل اضافية لم تكن أصلا موجودة.
ولعل المنصف يدرك حقيقة عدم امكانية معالجة التحديات التي يواجهها العراق وحكومته في فترة زمنية قصيرة، اوبمجرد اتخاذ بعض الخطوات الاصلاحية هنا او هناك. فمن المستحيل ان تعالج هذه الامور خلال عمر حكومة واحدة. إذ لابد من الحكومة ان تهيئ المستلزمات الضرورية لضمان نجاح سياستها الاصلاحية، وان تتمكن من كسب التأييد الشعبي والسياسي لتلك السياسة، فضلا عن كسب الدعم الخارجي المناسب لكي تتمكن الحكومة من تجاوز العقبات التي تعوق مسير البلاد في طريق النهوض الذي ينبغي على الحكومات اللاحقة، واللاحقة واللاحقة، السير عليه وبالمنهج نفسه حتى الوصول الى مرحلة جني الثمار والنهوض الحقيقي. وفي الوقت نفسه ضروري للمجتمع ان يدعم حركة الاصلاح الحكومية وان يعتبر نفسه شريكاً للحكومة في سعيها لبناء البلد واصلاحها.

ظروف استثنائية

المهمة من دون شك شاقة جداً، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة من الناحية الاقتصادية والحرب الشرسة التي تخوضها البلاد ضد المجاميع الإرهابية، وفي مقدمتها «تنظيم داعش» الإرهابي. فلابد من ان يتم الاخذ بنظر الاعتبار الاضرار التي لحقت بالبنية الاجتماعية جراء الحروب والتجاذبات السياسية التي ساعدت على خلق بيئة خصبة لظهور وتواجد المجاميع المسلحة والمتطرفة والكيانات الإرهابية. وما نتج عن ذلك بسقوط بعض المناطق تحت سيطرة هذه الكيانات وممارستها للتطهير العرقي والاثني واستهداف الاقليات وجميع انواع الاساليب الوحشية ضد السكان المدنيين. وهو الامر الذي يتطلب بذل الجهود بشكل غير اعتيادي لإعادة تأهيل المناطق والمجتمع والمعالجة عن طريق تطبيق البرامج الحكومية التي تعتمد على دراسات خاصة ومعدة لهذا الغرض، مع الاستعانة بالخبرات والمؤسسات الرصينة ، المحلية والاجنبية، وبمشاركة فاعلة لمنظمات المجتمع المدني. وبالنتيجة فان انتشال العراق من هذه الازمة والوصول به الى برالامان عملية ممكنة ولكنها ليست بسهلة او سريعة.  
بالإضافة الى ذلك، فقد القت التحولات السياسية التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية بظلالها على المشهد السياسي العراقي وجعلته أكثر تعقيداً. ما اضاف على عاتق الحكومة ومؤسساتها مسؤوليات كبيرة وجسيمة في الحفاظ على الوحدة الوطنية وحمايتها من الاستقطاب والتأثيرات الخارجية وتعزيز مبدأ المواطنة ورعاية التنوع الديني والاثني والديموغرافي للبلد ومكافحة جميع اشكال التطرف وعدم السماح للإرادات الخارجية ما بعد العام 2003 من استغلال البيئة الحالية للتمدد وتحقيق اهدافها في وأد الديمقراطية الوليدة، حيث ترى بعض القوى الاقليمية في استمرار الديموقراطية العراقية خطراً داهماً يهدد وجودها.

تطبيق أهداف الدستور

وبالرغم من مرور أكثر من 12 عاماً على سقوط النظام الدكتاتوري في العراق، لا نزال في بداية المرحلة العسيرة والشاقة لتحول البلاد من اقصى اليسار قبل العام 2003، اعقاب حكم شمولي ودموي كانت فيه الحكومة تسيطر على جميع مقدرات البلد، الى اقصى اليمين بعد العام 2003، والتغير نحو مسار ديمقراطي تعددي فيدرالي من حيث توزيع السلطات والتحول الى اللامركزية والانفتاح على العالم. حيث تقع على عاتق الجميع، لا على الحكومة وحدها، مسؤولية تطبيق اهداف دستور العراق الجديد التي تتطلب من جميع الاطراف، حكومة وكتلا سياسية ومرجعيات دينية ومنظمات مجتمع مدني واهالي، عملا حقيقياً وجاداً والتعالي عن الخلافات ومواجهة الخطر الاكبر المتمثل بالإرهاب والقضاء على الفساد بجميع أنواعه وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية والحزبية الضيقة والقومية اوالطائفية وانهاء المحاصصة السياسية لبناء عراق مزدهر وحر.
هنا تكمن التحديات الحقيقية التي تواجهها البلاد والتي باتت تهدد متانة النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية وتزرع بذور اليأس والجزع لد ى شريحة الشباب القادرة على الإنتاج، ما حدا بهذه الشريحة المهمة جداً من المجتمع الى الهجرة الى الخارج، وهوما زاد من وهن البلاد، بدلا من البقاء ودعوة من هاجر أيام الديكتاتورية من عقول العراقيين الفذة الى العودة وجذبهم من بلاد المهجر، وهم متعطشون لذلك، من خلال توفير ما يعزز قدراتهم للمساهمة في بناء الوطن من جديد.

روح الانتماء للعراق

المجتمع السليم المتعافي من اهم العوامل التي تسهم في خلق بيئة سليمة تتحرك في فلكهاعجلة الحياة للارتقاء بالمجتمعات. ويعد الاهتمام ببناء مجتمع مدني واع مرتكز على كوادر تكنوقراطية كفوءة من المرتكزات الاساسية التي يُعتمد ويُعول عليها لتقدم البلاد وازدهارها، وهي من بديهيات المنظومة الادارية في البلدان المتقدمة التي تسعى الى بناء اساس قوي لدولتها. وبالتالي ينبغي على الحكومة لعب الدور الاكبر في تعزيز الوازع  الوطني لدى المجتمع واستنهاض روح الانتماء للعراق الذي من شأنه ان يقلص الفجوة بين الحكومة والشعب ويساعدهاعلى تجاوز الازمات والوقوف بشكل موحد ضد كلما من شأنه المساس بأمن وسيادة الوطن. امثلة ذلك، ما حدث في الولايات المتحدة بعد احداث 11 ايلول 2001 وفي فرنسا بعد تشرين الثاني 2015. فعملية حفظ الامن والاستقرار والتعافي بعد الازمات هي مسؤولية كبيرة يتحملها الجميع وليس  اجهزة الدولة وحسب. وتمثل واجباً وطنياً وانسانياً في الوقت ذاته.
لا يمكن للنجاح ان يتحقق الا بقيادة عملية الاصلاح والتغيير بدءاً بأنفسنا وبتحمل صعوبة العقبات ووعورة الطريق، وعدم انتظارالآخرين لرفع الحمل عن اكتافنا. فبناء الامم عملية شاقة، ولكنها ممكنة فقط إن كانت لدينا الارادة الحقيقية للتحمل وبناء مستقبل بلادنا واولادنا واحفادنا. لابأس في ان نقتدي بما انجزته الامم المتقدمة الأخرى التي مرت بما يشبه ما نمربه اليوم، والامثلة على كثيرة من كوريا واليابان ودول جنوب شرق اسيا الى اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ودول الاتحاد السوفيتي السابق. ولعل سرعة ومتانة البناء تعتمد قبل كل شيءعلى مدى سعينا في انجازعملية التغيير وتحقيق الازدهار وترسيخ الامن الوطني كعراقيين مجتمعين بمختلف المكونات والطوائف السياسية والاثنية والقومية وعلى مدى ولائنا الحقيقي للوطن.
فهول الصعاب يمكن ان يبعث فينا أحد امرين لا ثالث لهما: اما الياس والتشكي والهرب وبالتالي خسارة الكل، او روح التحدي والإصرار لبناء امتنا ووطننا ومستقبلنا وبالتالي نجاحنا جمعاً.

* سفير جمهورية العراق في واشنطن

المصدر: http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=109933