Skip to main content

رجالات الدولة العراقية وبناء الأمم

قد لا يختلف اثنان ان أهم أهداف العراق بعد تغيير العام 2003، قد شملت تطبيق الديموقراطية وبناء الدولة المدنية، تشجيع السوق الحرة، احترام حرية الرأي، تطبيق معالم النظام الفيدرالي، ترسيخ العدالة الاجتماعية، بناء علاقات خارجية إيجابية، المحافظة على تنوع المجتمع العراقي وحماية وجود الأقليات، حفظ التراث والتاريخ الإسلامي والقديم للعراق، وإرجاع الحقوق لمن لحق بهم الظلم أثناء الحكم الصدامي،  وبناء مجتمع الرفاهية والاستقرار ضمن نسيج اجتماعي متجانس.

سنحاول في هذا المقال التركيز على ماهية وطبيعة الرجالات الذين بمقدورهم تطبيق تلك الأهداف بعد رسم الرؤى وتحديد السبل وآليات لتحقيقها وترسيخها. ومن الضروري جدا أن يتم تحديد ما يسمى بـ “الأهداف الذكية” بطريقة علمية بحيث يمكن تحديد جدول زمني لتنفيذها وتكون واقعية، ومن الممكن قياس ومتابعة مراحل إنجازها. وبخلاف ذلك، يصعب تحقيقها.عند محاولة تشخيص ماهية الرجالات الكفيلة بتحقيق ما تقدم، ستبرز الحاجة الى التشخيص بشكل عام لأهم المعوقات والمحفزات التي قد تعيق أو تسهل عملية الوصول لهذه الأهداف.

الخروج من التاريخ

في أواخر مقابلات الكاتب والمفكر  المصري الراحل محمد حسنين هيكل مع لميس الحديدي في برنامج “مصر أين ومصر الى أين” أشار هيكل الى أن مصر تواجه مخاطر خروجها من التاريخ إن لم تعالج تحدياتها المعاصرة وتركة الحكومات السابقة”. في العراق تبرز تركات حكم نظام البعث الدموي المباد، وبعدها تركة الإٍرهاب وانتشار ثقافة العنف، وأدى تراكم ضعف النخبة الراهنة وآلية بروزها الى تعقيد الحال. ومن الضروري ألا ننسى أيضاً الخلل الكبير في طريقة إدارة الجانب الأميركي أثناء تواجده في العراق واعتمادهم في إدارة البلاد على مبدأ “جرب وتعلم”. ناهيك عن التحديات الجديدة والمتمثلة بانخفاض الواردات النفطية وسعي بعض البلدان لخرق السيادة العراقية، ومع كل هذه الصعوبات والتعقيدات في إدارة البلاد حالياً، تتضاعف صعوبة التغيير وإدارته وصعوبة استيعاب هول وطبيعة التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع في سعتها وعمقها وتداخلها.
لمعرفة “عراق أين،  وعراق الى أين” نحن بحاجة الى تشخيص أسباب التحديات الإدارية والسياسية التي تواجه رجالات الدولة. فهناك اختلال في طريقة معالجة التركة لما قبل العام 2003 وما بعدها، على سبيل المثال، قوانين الدمج وآلية تطبيق الفصل السياسي ومعالجات الاجتثاث وضعف الخبرة الإدارية لبعض السياسيين والمسؤولين التنفيذيين وسوء التخطيط وتناقض الولاءات، مع حداثة تطبيق نظم اللامركزية وفصل السلطات وعدم وجود نسبة مقبولة متعلمة ومهنية من الطبقة الوسطى وضعف النظام التعليمي في تربية الأجيال الصاعدة بالعلوم الصحيحة في اتخاذ القرارات أو بناء ثقافة روح الفريق في التعليم والمجتمع وفقدان التواصل في الحرفة نتيجة سنوات الحصار وتوالي الحروب لعقود والهجرة من القرية للمدينة أو هجرة الكفاءات الى الخارج والزيادة السكانية الهائلة غير المنتظمة.  وبخصوص “عراق الى أين” نستطيع أن نقول إننا الآن في عين العاصفة وإن البلد يتجه نحو طريق خاطئ وخطر.
رجالات من نوع خاص من جانب آخر ثمة من يرى ان كفة الميزان تتجه نحو الأحسن ونحو الاستقرار وان مستقبل البلاد يتجه نحو التطور واننا مع التاريخ لا ضده، ذلك اعتماداً على حيثيات إيجابية متعددة وكثيرة مثل غزارة الثروة الطبيعية والبشرية الشبابية الهائلة للعراق مع مخزون تاريخها الحضاري الطويل وهول مظلومية المجتمع من عهد صدام والإرهاب والمقدرة العالية للشعب على التحمل ومرارة تجاربنا وأهمية موقعنا الجغرافي والستراتيجي والتنويع العرقي والقومي مع إصرارنا على الأهداف والرؤى السامية مسلحين بالثقة بالنفس ومقدرة أجيالنا الصاعدة على التمسك والانفتاح على التكنولوجيا الجديدة وإدراكهم اننا كعراقيين مصرون على السير نحو الأحسن.

العراق في كلتا الحالتين بحاجة الى رجالات من نوع خاص للعبور به الى بر الأمان. بالتأكيد لا يمكن أن تجتمع كل الخصال المطلوبة في شخص واحد، ولكن الممكن هو تحديد الصفات والقدرات التي يتم على أساسها اختيار الشخصيات المناسبة لتلبية حاجة البلاد.

هنا يأتي دور الواقعية التي لا بد من الاعتراف بتفاصيلها في المعالجات وتحمّل مسؤولية الأخطاء التي ارتكبت وإدراك حقيقة استحالة الرجوع بالساعة الى الوراء. فمن الضروري أن نبحث عن أفضل الخيارات المتاحة ضمن الواقع والمتوفر، لا من خلال التشبث بالتاريخ والنظر الى المستقبل من خلال نافذة خيالية تستمد ملامحها من الحنين الى الماضي والأمنيات. الواقعية في التقييم واختيار الأهداف الذكية من دون شك هي أقرب الطرق للوصول لأهداف ما بعد 2003. ولتحقيق ذلك، ينبغي علينا أن ننبذ الكثير مِن البديهيات ضمن الممارسات الحالية. فالآليات المتبعة حالياً  عاجزة عن دفع العراق الى الأمام. إذ لا يمكن تحقيق ذلك دون الاستعانة بطاقات الشباب القيادي والواعي لإدخال أساليب حديثة وآليات عصرية للنهوض بعراق اليوم. هذا ليس بعيب ولا هو انتقاص من رجالات الدولة الحاليين، بل هو إضافة ضرورية للقدرات الحالية بشكل ينسجم مع سنن الحياة والمجتمع.

تقوية العقد الاجتماعي

فمع الاستقرار الأمني والتخلص من داعش والإرهاب، هناك الحاجة الى تغيير طبيعة العلاقة بين الوزارات من جهة، والجهات الرقابية والتشريعية من جهة أخرى، وتنويع موارد البلاد وتقليل الاعتماد على النفط، فأغلب التوقعات والمؤشرات تتنبأ باستمرار انخفاض أسعار النفط لسنوات قد تتجاوز فترة الحكومة الحالية. وثمة حاجة ملحة للتخلص من المحاصصة كأسلوب لاختيار المسؤولين وتوزيع المناصب دون وجود مقومات حقيقية أخرى للاختيار، أهمها المهنية وكفاءة الأداء والإخلاص. أيضا هناك حاجة لإعادة بناء الثقة وتقوية العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة لتستعيد الدولة هيبتها في أعين المواطنين وفرض سلطة القانون وإعادة الشعور بأن الدولة تعمل على خدمة المواطن من خلال تكامل المشاريع الخدمية والبنى التحتية مع المشاريع السياسية التي لا يمكن أن تنجح بمعزل عن تلبية حاجة المواطن. فالضعف في المشاريع التي تخدم المواطن هي من أهم معوقات نجاح المشاريع السياسية.
أما الخبرات والتجارب في مواجهة مثل هذه التحديات فهي موجودة ومتوفرة، ولكننا بحاجة الى شخصيات قادرة على تطبيق المقاييس والمعايير العالمية بخصوصية عراقية نابعة من معرفة وإدراك كاملين وواسعين للحالة العراقية وجذورها.  ومن المهم جداً إدراك ان إدارة التغيير هي فن وعلم وهي من أحدث وأعقد فنون الإدارة،  ووفقاً لأسس علم الإدارة لا بد للتغيرات الكبرى أن تستفيد من جرعات خبرة تأتي من الخارج وليس فقط من ضمن النظام نفسه، وهنا تبرز أهمية استقطاب الطاقات والكفاءات العراقية من الخارج، وتذليل الصعاب التي تعيق ذلك لحاجة البلاد الماسة الى خبرات أجنبية بتركيبة عراقية.

رؤى وآفاق جديدة

من الضرورة بمكان ان يميز الكادر المتقدم في الدولة بين دوره كمسؤول إداري أو تنفيذي مسؤول عن تطبيق القوانين والأنظمة والتعليمات، وبين القيادة المسؤولة عن إعداد البرامج والتطوير والبحث عن رؤى وآفاق جديدة تتناسب مع الحاجة الراهنة ضمن إطار التحديات التي تواجهها البلاد. فالإبداع صفة ضرورية للقيادة والفعالية والكفاءة صفة ضرورية للإدارة وشتان ما بين القيادة والإدارة.

في الحالة العراقية يبرز خلل في التمييز بين الخصال المطلوبة للدور التشريعي وتلك المطلوبة للدور التنفيذي. فعضو مجلس النواب يحتاج الى إلمام ودراية قانونية واستيعاب كامل للدستور مع رؤى واضحة لكيفية نقل البلاد الى وضع أفضل من خلال تطبيق برامج التنمية من خلال التشريعات ومراقبة أداء أجهزة الدولة. أما المسؤول التنفيذي في الحكومة، فهو مسؤول عن تطبيق وتفعيل هذه التشريعات وبالتالي هناك حاجة لمهارات إدارية وسعة إدراك لآليات التطبيق وقدرة على وضع خطط تنفيذ ستراتيجية للمشاريع المهمة مع تفضيل الأولويات ضمن الميزانيات المتاحة ضمن الموازنة. وكلما ارتقى منصب المسؤول كلما زادت الحاجة الى خصال إدارية وشمولية وقيادية أرفع وأكثر كفاءة.

في الحالات الاعتيادية، يعد الوزير موقعا سياسيا بامتياز، وهناك جهاز وزارة ودولة مستقرة تدعمه. أما في العراق، فإن الوزير لا يمكن أن يكون سياسيا محضا، ولا تكنوقراطا محضا. فمن الضروري عدم الإغفال عن حقيقة ان السياسة هي فن من فنون الإدارة وينبغي ألا نسى ايضاً ان نظامنا السياسي هو برلماني توافقي تعددي (مع عدم وجود معارضة) وبالتالي تكنوقراط من دون دراية وحكمة وخصال سياسية لا ينجح،  والعكس صحيح ايضاً. وهنا ضروري أن نتذكر ان المحاصصة أدت الى اعتبار الكثير من المناصب العليا في جهاز الدولة والتي تعطى في الحالة الطبيعية للمسلكيين أعطيت للسياسيين غير التكنوقراط.
بناء الأمم يتطلب رجالات من نوع خاص، رجالات عندها القدرة على صنع القرار وإدارة البلاد، غير ناسين ان العراق يعج بالكفاءات والقدرات (في الداخل والخارج) القادرة على توجيه البلاد  الى بر الأمان وبالتالي صنع التاريخ وبناء  الأمم.  

سفير جمهورية العراق في واشنطن

المصدر: http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=112039