Skip to main content

ظاهرة العقل الجمعي وبناء الأمم

مع تشابه البشرية في الكثير من خصالها الاجتماعية، نرى في بعض الاحيان تمايز مجتمع عن اخر بواسطة خصلة معينة، ففي بعض المجتمعات نرى العقل يطغي على طريقة تفكير مجتمع معين، وفي احيانٍ اخرى نرى العاطفة هي الصفة السائدة فيها، او قد نرى التفكير القبلي والعشائري لدى فئة من المجتمع مقابل التفكير المدني والحضري لدى فئة اخرى من نفس المجتمع.
 فالعقل الجمعي هو اسم ظاهرة من ظواهر علم الاجتماع تتعلق بآليات اتخاذ القرارات وتبنيها لأي عدد من الافراد المجتمعين لتحقيق اهداف لها خطوط عامّة. وعليه فان استفحال هذه الظاهرة في مجتمع معين يعني اضطراراغلب افراد ذلك المجتمع، ضمن سعي الفرد للبقاء ضمن حدود الجماعة، الى اتباع مقرراتها وآرائها بغض النظر عن صوابها او منطقيتها.
أطلقت تسمية العقل الجمعي (Group thinking) على المجاميع التي تأخذ قراراتها لمجرد شيوع رأي ما ومن دون الخوض في اي نوع من انواع البحث عن المنطق او المراجعة او اجراء حوار حقيقي للوصول الى النتائج التي تضمن تحقيق الأهداف المرجوة.
وفي الوقت ذاته، يتم اضطهاد الآراء التي تخالف راي الجماعة باتباع أساليب مختلفة مثل عزل القرار المخالف واعتباره من الآراءالشاذة دون التحقق من صوابه واهليته.ولعل من اهم الظواهر التي تؤثر في اتخاذ القرارات، خصوصاً السلبية منها، للتجمعات البشرية هي ظاهرة العقل الجمعي.
المعادلة الاجتماعية المعنية بالعقل الجمعي تشير الى ان كل ما ازدادت درجة الوئام بين الافراد كلما قلت نسبة التأثير الخارجي عليها، وبالإمكان ملاحظة انعكاسات هذه الظاهرة وتأثيراتها في مجالات السياسة والإدارة وغيرها من جوانب الحياة، وقد تذهب بعيداً لتصل الى حد التطرف والغلو.
من جهة اخرى فان اهم فوائد ظاهرة العقل الجمعي، عند تجنب سلبياتها، هي سرعة الاداء والانسيابية واكمال المهام بسرعة وضمان تنفيذ القرارات من قبل المجموعة، وبالتالي يعتبر التوصل الى قرارات صحيحة من خلال ظاهرة الجمعي إنجازاً كبيراً وذا ديمومة وتأثيرا في المدى البعيد يصعب ازالته.
اما الجانب السلبي للظاهرة فيبدوأكثروضوحاً من خلال المؤشرات ادناه :
الانغلاق واستصغارالجماعة للرأي الآخرممن هم خارج حلقة الجماعة.
المغالاة في تقدير قوة وتأثير الجماعة ومدى صحة مبادئها وبالتالي الشعوربتفاؤل مفرط يدفع الى المقامرة في اتخاذ قرارات.
فقدان الشعور بالحاجة لمراقبة الذات والتقوقع عن أي فكر جديد يأتي من خارج الجماعة، ومن جهة اخرى تفسير نتيجة سكوت البعض على انه تأييد وتعزيز لراي الجماعة.
اتهام افراد الجماعة ممن لا يؤيدون الاغلبية بأنهم غيرموالين دون الاستماع الى آرائهم.
سعي بعض افراد الجماعة لحجب اي معلومة تدل وتثبت امرا مخالفا لرأي الجماعة والدفع باتجاه ذلك الرأي.
الولاء للجماعة قبل كل شيء، وعدم طرح وجهات نظر مختلفة ان كانت تؤثر سلبا فيهم، وبالنتيجة تفقد الجماعة خصلة الابداع والتفكير المستقل.
واخيراً، الشعور بالتميز لدى الجماعة وامتلاك الحصانة عن الخطأ في اتخاذ قراراتها.
ويعزا انتشار ظاهرة العقل الجمعي في مجتمعاتنا وسيطرتها الى الاسباب والعوامل التالية:
ايمان الافراد بان راي الجماعة اهم وأكثر صواباً من الرأي الفردي.
 القوة في بناء هيكلية الجماعة وتكوينها ومنهجيتها في التقييم ومراجعة افكارها واجندتها.
تشابه وتجانس خلفيات اعضاء الجماعة في الفكر او العِرق او الطائفة.
واخيراً، خشية الفرد من احتمالية عزلة خارج حدود الجماعة، مما يدفعه للعمل على الموافقة غير المشروطة ضمن رأي الجماعة.
ولضمان التوصل الى قرارات صحيحة من خلال هذه الظاهرة، على الجماعة ان تنتهج اساليب أكثر مرونةً كمعالجات وقائية في ادائها عن طريق اتباع بعض الاجراءات، ومنها الاتي:
الانفتاح على الرأي الآخر من خلال فسح قيادة الجماعة مجالاً أوسع لجمهورها لمناقشة مشاكلها وايجاد الحلول البديلة.
عدم التسرع في اتخاذالقرارات من قبل الجماعة.
دراسة امكانية مناقشة قرارات الجماعة من قبل طرف خارجي محايد لمعرفة امكانية تطبيق هذه القرارات على ارض الواقع وترشيدها.
تشجيع روح النقد البنّاء مع ارساء ضوابط  النقد لضمان الموضوعية.
اعتماد مبدأ التداول والتشاور وخلق روح الحوار البناء بين افراد الجماعة.
الاعتراف بسلبيات ظاهرة العقل الجمعي والعمل على التثقيف بها ومحاولة تجنبها.
تقبل النقد من قبل قيادات الجماعة واعتباره عنصرا مساعدا في ترشيد القرارات.
واخيراً، النظر بجدية وبانفتاح للآراءالمخالفة لما يمثله ذلك من فرصة لدراسة الواقع ومراجعة الهفوات والاخطاء.
في الآونة الاخيرة من مسيرة العراق، برزت بوضوح ظاهرة العقل الجمعي وتجلّت في التعصب الفكري والثقافي وما ينتج عن ذلك من افرازات التي أدت بدورها الى ظهور جماعات متطرفة ومتحزبة للعرق والطائفة والقومية فوق كل اعتبار اخر.لذلك نجد انفسنا اليوم في حاجة ماسّة لطرح حلول بعيدة المدى، والنظر الى المشاكل من خلال نافذة موضوعية بعيداً عن الاستقطاب والتحزّب والافق الضيق، وعدم الانجراف خلف كل ما يطرح  تحت عناوين برّاقة.
على الجميع في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها البلد تغليب صوت العقل والحكمة على الاحتقان والتسرّع والابتعاد عن التطرف وكافة انواع التعصب وعدم السماح للدخلاء والانتهازيين باستغلال هذه الظواهر السلبية لأغراض شخصية، وتحريك الشارع بما يخدم اجندات معينة تهدف الى اضعاف المجتمع والنيل منه. ومن الأمثلة على مثل هذه الحالات ما يتم طرحه عبر بعض وسائل وقنوات الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي التي اصبحت من أكثر الوسائل التي يستغلّها أصحاب النفوس المريضة شيوعاً لتحقيق غاياتهم الدنيئة المريضة وإطلاق الشائعات ودس الفتن بين افراد المجتمع. حيث ساهم ضعف الرقابة والمهنية في استفحال هذه الظاهرة الخطرة. ولعل طغيان نظرية المؤامرة في عقلنا الجمعي كطريقة بديهية لتحليلنا للأحداث السياسية اليومية قد ساعد في شل حركة المجتمع وحال دون ايجاد حلول مناسبة وجوهرية للتحديات التي تواجهنا. وينطبق نفس المبدأ عند قياس قدرة المجتمع على تخطي المشاكل التي تعترض طريق ازدهاره، اذ ان اقتناع المواطن دوما بان يديه مكتوفة ولا يطال حلاً سيحول حتماً دون كسره لهذا الطوق ويضعف روح المبادرة لحل مشكلاتنا بأنفسنا دون الاتكال على الغير.
ان ضعف المتابعة وغياب القوانين التي تُلزم وسائل الاعلام بالنزاهة والمهنية وتضمن حرية الكلمة بشكل موضوعي قد جعل من تلك الوسائل منصة سهلة لإطلاق الاكاذيب وتحقيق الاجندات الخبيثة والممنهجة لشق الصف، دون ان تتنبه الجماهير احياناً الى خطر ذلك ويحثّها للبحث عن مصداقية تلك الاخبارقبل نقلها وتبنيها، حتى وإن تجلى فيها الكذب.
ان بناء الامم لا يتم بهدم كل ما هو قائم، بل بتقويم ما اعوجّ قوامه والمحافظة على الاسس والثوابت، فالعقل هو هبة الله سبحانه وتعالى للبشر للتفكر والتمعن والابداع، وبالعقل تبنى المجتمعات الصالحة وتعلو صروح حضارات الامم.

* سفير العراق في واشنطن

المصدر: http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=107666