Skip to main content

مفردات ادارة الصراع وبناء الأمم

ادارة الصراع هي اسلوب عمل وتخطيط ممنهج له ادواته الخاصة المستخدمة لتوجيه الصراع الى المسار الصحيح وتحويله الى مكسب قدر الامكان.
كما انه لا يجب ان ينظر دائما الى الصراع بصورته النمطية على انه حالة سلبية، فعندما يكون الصراع قائماً على مبدأً للمنافسة فانه يتحول الى حافز للابداع والانتاج المثمر.
تختلف طريقة التعاطي مع الصراعات من مجتمع لآخر بشكل ملحوظ، فنجد مجتمعات الدول النامية تعد الصراع حالة سلبية او سلوكا انفعاليا وتخريبيا غير مرغوب فيه، وتتعامل معه كمشكلة قائمة تتقوقع ضمن اجوائها ولا تأخذ بنظر الاعتبار الجوانب الايجابية الناجمة عنهم ما يؤدي الى ضعف الاداء والارباك داخل المجتمع وعدم وضع الحلول المناسبة لذلك. اما بالنسبة للمجتمعات في الدول المتقدمة، فانها تتعاطى مع الصراع على انه حالة من حالات التحدي البنّاء التي تُشجع على فتح آفاق جديدة امام المجتمع للتعامل معه وتحفز على البحث عن حلول متطورة ووضع آليات متجددة، وهذا من شأنه ان يخلق بيئة تنافسية بامكانها احتواء الصراع ضمن حدود معينة للحيلولة دون توسعة ليصل الى درجة الخطورة عليها. توجد قناعة بوجود معادلة عكسية تربط بين مستويات الصراع المختلفة، فكلما تفاقم الصراع على المستوى الفردي، او مستوى مجاميع الداخل، كلما انخفضت حدة الصراع على المستويات الخارجية الأعلى، وهو ما تلجأ اليه بعض الدول حين تروج وتركز الانتباه على مشكلة خارجية كبيرة (حقيقية او قد تكون مفتعلة) كأسلوب لتحويل الانتباه من المشاكل الداخلية (اغلبها حقيقية). وعلى النمط نفسه ترى بعض الحكومات تحاول تفريغ الكبت الشعبي الداخلي والتخلص من الأصوات المناوئة لها من خلال توجيه الغضب الداخلي الى الخارج بخلق عدو وهمي يستقطب الاهتمام لمنع تفجر الاوضاع داخليا عن طريق اعمال الشغب او التظاهرات وغيرها من الممارسات التي تلجأ اليها المجتمعات للتعبير عن رفضها للحكومات والأنظمة.
أسباب الصراعات وطبيعتها
تتباين أسباب نشوء الصراعات وطبيعتها من زمن الى اخر ومن مجتمع الى اخر، وبالتالي تتباين طريقة إدارتها والتعامل معها تبعا للمستوى الفكري والثقافي ودرجة تقدم المجتمع. فاغلب الصراعات السلبية تنشأ نتيجة اختلاف طريقة النظر الى قضايا محددة بحيث تتولد قناعة راسخة لدى الأطراف المعنية لدرجة تصل في الكثير من الأحيان لحمل السلاح دفاعا عن تلك القناعات، فالمجتمعات المحكومة بالقبلية والعشائرية او حتى المذهبية هي أكثر عرضة لنشوب الصراعات منها الى المجتمعات الاخرى، وهذا ما تجسد في العديد من قضايا التطهير العرقي والإبادات الجماعية والجرائم ضد الانسانية التي شهدها العالم.
ويعد جهل الأطراف بعضها ببعض والحساسية المفرطة تجاه موضوع معين وتجاهل خبرات وامكانيات الاخر وضعف التواصل بين أطراف الصراع بشكل موضوعي او الدعوة الى التدخل بالشؤون الداخلية لكل طرف، كلها عوامل تساعد في خلق بيئة خصبة لنمو الصراعات وتفاقم حدتها، يضاف الى ذلك عنصرية بعض المجتمعات وشعور طرف معين بتفوقه وتعاليه على غيره من الأطراف وما ينتج عن ذلك من السلوكيات المستفزة التي تعمل في كثير من الأحيان كفتيل لتفجير الازمات والصراعات.
قد يكون الشعور بالعنصرية نابعا من منطلقات قومية، مذهبية، أخلاقية، او عرقية او الاعتقاد بالاحقية التاريخية مثل الاعتقاد بالأفضلية في الدين او النسب، ومن الاسباب الاخرى لنشوب الصراعات هو الشعور بالخوف وعدم الاطمئنان للطرف الاخر ورفض مبدأ التعايش السلمي بين المجتمعات. كما يلعب الجهل وعدم انتشار الوعي والتعليم في المجتمعات دورا كبيرا في تأجيج الصراعات.
الصراعات تعد عملية ديناميكية تمر بسلسلة متعاقبة من المراحل والاحداث المتكررة بشكل مستمر. حيث يمكن تلخيصها بأربع مراحل اساسية، المرحلة الأولى، والتي قد تكون غير ظاهرة في العادة وتتعلق ببدء الشعور بالمعارضة وعدم الرضا عن واقع حال معين، المرحلة الثانية هي مرحلة تشخيص اسباب عدم الرضا وتحديد الأطراف المسؤولة واتخاذ القرار بتغيير ومواجهة واقع الحال، المرحلة الثالثة هي طريقة التفاعل العملي والسلوك المنتهج لتغيير واقع الحال، المرحلة الرابعة والاخيرة هي مرحلة التصادم والتعاطي مع ردود الافعال لدى الطرف الاخر. هنالك مراحل جانبية أخرى جديرة بالذكر تتعلق بمرحلة مابعد انتهاء الصراع والتسوية بين الاطراف المتنازعة وتحقيق التوازن وقبول التغييرات الجديدة الناجمة، حيث تعد هذه المرحلة من اهم وأخطر المراحل، ففي حال عدم التوصل الى اتفاق يحقق رضا حقيقيا بين الاطراف فأن ذلك سوف يؤدي الى ارتفاع احتمالية تأجيج نفس الصراعات مجدداً وترك اثار تبقى كامنة ومتجذرة قابلة للتفجير في اي وقت لاحق.
من جانب اخر، نظراً للتطور التقني وسهولة تبادل المعلومات والتنقل في زمن العولمة، اصبح لدى الدول والمجتمعات تصورات اشمل واوضح عن ثقافات بعضها البعض، ما يساعد على تقليص الفجوة الثقافية لعملية التواصل الفكري والاجتماعي وفهم الآخر، ومن ثم يمكن من خلال ذلك تقليص حدة الصراعات المحتملة وتقليل النقاط الخلافية والتوصل الى اتفاقات ملزمة تدعم عملية ارساء الاستقرار والسلم في العالم، لكن كل ذلك لاينفي وجود الحاجة الفعلية الى تثقيف المجتمعات بآليات التواصل والتركيز على منهجية كسر الجمود وتجاوز الحواجز والخلافات تجنباً لحدوث الصراع بدلاً من التفكير بطريقة أدارة الصراع وأحداث الضرر بعد وقوعه. من الطبيعي ايضاً ان يرافق اندلاع أي صراع اثارة العديد من التساؤلات المشروعة من داخل المجتمع عن جدواه ومداه وديمومته وما يمكن ان ينتج عند انتهائه، هذه التساؤلات ينبغي على القوى المسؤولة عن ادارة الصراع الاجابة عليها. حيث تختلف الآراء حول أساليب الاجابة عن هذه التساؤلات باختلاف التحديات القائمة على ساحة الصراع، فنجد ان بعض القوى تفضل التريث وعدم التطرق الى تفاصيل الصراع لأسباب موضوعية وأمنية مع الحرص على السرية في التعامل معه، لكن في المقابل، لكن ينبغي ايضاً الاخذ بنظر الاعتبار الى ان عامل الزمن هو عامل اساسي في عملية ادارة وحسم الصراع. فكلما طالت فترة التأجيل والمراجعة دون التعامل بشفافية مع طروحات الشارع، فأن ذلك سيؤدي الى خلق ازمة داخلية ويصعد حدة التشنجات ويثير الرواسب التي سوف تنعكس سلباً على تحسين الاداء لمنظومة العمل الجماعي ومنهجية ادارة الصراع.
ومن الضروري ان نعرف ان ادارة الصراع تخضع الى نفس ما تخضع له باقي أنواع الإدارات من قوانين وأنظمة، اذ لا توجد منهجية محددة ومفضلة في الادارة واتخاذ القرارات.ان الإدارة كعملية وظيفية تتضمن تشخيص طبيعة التحدي القائم او المهمة المطلوب إنجازها ومن ثم تحديد الحلول المتاحة واختيار انسبها ضمن إلاطار العام للستراتيجية المطروحة، ثم المراجعة والاتفاق بشكل نهائي والبدء بالتنفيذ، فحسن الادارة يتطلب البحث عن أفضل الحلول وانسبها وفقا للمعطيات الفعلية لتقليل الخسائر وتحقيق أكبر مردود، وتعد الحلول المثالية للصراعات التي تتضمن ازالة كل مسببات الصراع وترسباته.
ستراتيجية ادارة الصراع
في الكثير من الاحيان نجد ان الستراتيجية العامة لإدارة الصراع تميل او قد تكون مجبرة على اتباع ستراتيجية محددة دون غيرها وذلك نتيجة لواقع الحال الثقافي الذي يعيشه المجتمع، وهو ما يحد من مرونة اختيار الحلول، خصوصاً حينما يتعلق الامر بالصراعات التي تتباين ثقافات الاطراف المشتركة فيها، بحيث يصعب التواصل ثقافياً فيما بينها بسبب سوء الفهم الناجم عن عدم إدراك كل طرف لثقافة ومنهجية تفكير الطرف الاخر، ويكون المشهد أكثر تعقيداً في حالة الصراع بين ثقافة تنطلق من منطلقات الوئام والتنازل مقابل ثقافة تنطلق من منطلقات التحدي والمواجهة.
اضافة الى ذلك توجد عوامل اخرى من شأنها ان تسهل او تعقد عملية السعي نحو ايجاد حلول للازمات والتمسك بمفاهيم تتفاعل سلباً او ايجاباً مع الصراع، إذ ترتبط هذه المفاهيم بدرجة الاقتناع بإمكانية الوصول الى مرحلة الاستقرار والوئام في العلاقة مع الطرف الاخر بعد انتهاء حلقات الصراع والتوجه نحو السلم والسعي لتحقيق معادلة فوز كلا الطرفين بدلاً من فوز طرف على حساب خسارة الطرق الاخر. اما حالة التصعيد والسعي نحو خسارة الطرف المقابل وتحقيق معادلة الخسارة لكلا الطرفين فانها أخطر ولها تداعيات قد تمتد لفترات طويلة بعد نهاية الصراع. ويعد تصعيد التسلح النووي والتهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل من أبرز الأمثلة على حالات التصعيد السلبي وتحقيق معادلة خسارة لجميع الأطراف، إذ كان من الممكن ان يؤدي ذلك الصراع الى ابادة شعوب بأكملها والمعاناة من اثار الاشعاع النووي لأجيال عديدة.
ختاماً، لا بد من الاجابة على بعض الاسئلة المهمة عند محاولة ايجاد الحلول للصراعات، والتي تتعلق عن الحد الأدنى من المكاسب الذي يمكن للطرف الاخر قبولها، والحد الأدنى من التنازلات المطلوبة منه للطرف الاخر، ان الاجابة على هذه الاسئلة الاولية ستوفر من بعض إطار عمل اساسي لستراتيجية حل النزاعات بشكل عام. مع الاشارة الى ان حل الصراعات في الغالب يتطلب اتباع ستراتيجية تشمل مزيجا من ستراتيجيات ادارة الصراع والتفاوض في آن واحد.فبناء الامم يتطلب زيادة حصانة مقومات جسم المجتمع وحسن ادارتها للصراعات ومهاراتها على التفاوض.