Skip to main content

نبض الشعوب الحيّة وبناء الأمم

في الاعم الأغلب، تضع الامم نصب أعينها برنامجا لتحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية لضمان نجاح مسيرتها سعياً الى التكامل في جميع المجالات، فعلى سبيل المثال، يتربع الرفاه والتقدم الاقتصادي ضمن أولويات أهدافها. ولتحقيق ذلك، تراها تنفذ برامج ستراتيجية مختلفة وصولاً الى الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية كالغذاء والطاقة وغيرها من القطاعات للحيلولة دون الاعتماد على الآخرين لوقاية مصلحة البلد من التأثيرات الخارجية. بالإضافة الى السعي لتوفير العوامل التي تسهم في إنجاح تقدمها وتطورها من امن وسلامّة ومراعاة الجوانب الاجتماعية والانسانية التي تعكس مدى السعي نحو التقدم الحضاري والرقي. 
الوصول الى هذه الاهداف يتطلب منا الغور في اسبار تاريخ الشعوب ومناهج تطورها والاستفادة من الدروس والعبر التاريخية لاختصار طريق المسير نحو الاهداف المرجوة للتكامل. ولعل قدرة الامم على تحقيق ذلك على علاقة طردية مع قرب الامّة من تشخيص وتوفير مستلزمات النبض بالحياة، فبُعد الامّة عن إيجاد المستلزمات الاساسية لحيويتها سيبعدها من طريق الوصول الى ما تهدف اليه الشعوب المزهرة المتقدمة. ولتحديد هذه المستلزمات وتشخيص آلية التعاطي فيما بينها، ندرج ادناه معادلة توضيحيّة بسيطة لإدراك هذه المستلزمات وكيفية تشخيصها وتعاطيها مع بعضها البعض وفهم المفردات الاساسية للامّة الحيّة:

الامة الحية

بعبارة أخرى اكثر اسهاباً، الامّة الحيّة هي الامّة التي يمكنها ان تتعاطى إيجاباً مع تطور البشرية، ولتحقيق ذلك تحتاج الى مراجعة دقيقة للتاريخ المعاصرلها ولغيرها. يرافقها تقييم موضوعي لواقع الحال، والحاجة لمشروع للمستقبل يعكس تطلعات الامّة ورؤاها، وتحتاج لنخبة مؤمنة بالمشروع ومستعدة لتضحي وتُؤثر على نفسها من اجل الامّة، ناهيك عن الحاجة لجمهور مدرك لأهداف النخبة ومتفاعل معها وبالتالي يدعم مشروعها عن قناعة ووعي، والى كفاءة كوادره ومنظومات عمل على مستوى عالي النشاط وقادرة على تنفيذ المشروع بشكل متقن وبأقل ما يمكن استهلاكه من الموارد المتاحة، ولثقافة تكاملية واعراف تمهد طريق المسير نحو مشروع المستقبل، واخيراً، الامّة الحيّة تقدرعامل الزمن وتدرك انه ذو بُعد بالغ الاهمية لتكامل مسيرتها. 
وقد يسأل سائل، اين الفكر في المعادلة؟ ولماذا لم تحدد اهداف المشروع خيراً كانت ام شراً؟ هنا نقول ان السنن الالهية تبين بما لا يقبل الشك بأن نتائج العمل ستكون دوما موجودة ومؤثرة إن أرادت تلك الامّة الخير من عدمه، فتجربة الحداثة في اليابان على سبيل المثال، قد دفعت بها الى غزو الصين وكوريا عندما كانت تحمل فكرا توسعيا، وهي نفس التجربة التي دفعتها الى السير نحو طريق السلام بكل ما تملك بعد الحرب الثانية واقتناعها ان الفكر المسالم افضل لها. اليابانيون تمسكوا بالسنن وكانوا ضمن محورالحروب وبعدها محور السلام. 
محور الكلام هو: اين موقعنا نحن العراقيين من هذه العناصر والمستلزمات؟ وما هو مستوى تعاطينا مع مدى حيوية جسم الامّة العراقية؟ قد يقول قائل بأننا لسنا امّة واحدة، بل امّم متعددة، الكردية والعربية والتركمانية وغيرها من القوميات الاخرى. وقد يقول آخر، العراق امّة شيعية وامّة سنية، او مسيحيّة واسلامية، او امّة مدنية وقبلية او مجموعة من الأقوام المتقاطعة التي تعكس طبيعة التحولات التاريخية وفسيفساء المذاهب والاعراق والأقليات والعشائر التي تسكن العراق. 
لا اعتقد ان المشكلة تكمن في تعدد الاقوام او المكونات، بل متعلقة بمسيرة كل مكون ومدى رغبتهم في التكامل او التقاطع مع الاخرين بكل مفردات المعادلة. وهنا مربط الفرس، وما يجب ان نركز عليه، فالقرآن الكريم لا ينكر التعددية، ولكن كلام الله جل وعلا يُبين ان التعارف والتكامل هو الهدف من التعددية. ((وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)).
كل مكون (او ما يسميه البعض امّة او طائفة) عراقية بحاجة الى ان تقارن بين واقع حالها مع واقع حال المكونات (او الأمم او الطوائف) الاخرى من خلال مفردات حيوية الامم المذكورة اعلاه.  
نحن كعراقيين، ضروري ان نعرف ان كنا نملك مشروعاً يجمع بين المكونات بشكل متكامل، ام ان هناك مشاريع متقاطعة؟ وان كان تقييمنا للتاريخ ولواقع الحال يشترك بنفس الأُطر والمناهج والنتائج، ام انها تختلف بين مكون وآخر؟ والاجابة على سؤال ان كانت النخبة تُؤثر على نفسها، ام ان النُخَب التي تقودنا تبحث عمن يُؤثر لها؟
ومدى تفاعل جمهورنا ودعمه لنخبنا وقياداتنا؟ ام انه في وادٍ ونخبنا في وادٍ آخر، وكل ما تتقنه هو التشكيك وتقويض الثقة بقياداتنا؟
وهل نثمن ونقدّر الجودة والكفاءة ونعتبرهما من مقومات وضروريات النجاح؟ ام اننا نعتبرهما عنصر ترف ورفاهية يمكن الاستغناء عنها بسهولة؟
وثمة سؤال آخر حول مدى تمسكنا بالثقافة الصحيحة والأعراف التي تبني الامم ويصنع منها التاريخ؟ ام ان ثقافتنا منخورة وصدئة بسبب مخلفات التاريخ ونهج تدمير نسيجها الاجتماعي بيد الدكتاتوريات السابقة وفكر العنف والتطرف الذي يستمر ليومنا هذا؟
واخيرا، جميع ما سبق لا يبين مدى فهمنا واستيعابنا لأهمية الزمن، واعتباره عنصر مراجعة وتكامل، من حيث نشعر بين تقدم الزمن بنا او تأخره.
من آثار العولمة والتكنولوجيا وسهولة الحصول على المعلومات هي قدرتنا على القول باطمئنان. اننا لا نحتاج الى ان نخوض كثيراً في عمق التاريخ لنعرف مدى تطابقنا مع سَنَن تطورالامم. حيث يمكن للمراقب عن طريق أخذ نظرة خاطفة على مسيرة البشرية في القرن العشرين ان يميز الامم الحيّة عن غيرها، ويستطيع ان يشخص مدى تكامل ام تقاطع مكونات الشعوب ومدى سرعة تطورها وحيويتها.
لنبني عراقاً حياً ينبض رغبةً في الحياة، ولنبحث عن عناصر الحيوية والتطور التي تحقق التكامل ولنبتعد عن الفرقة والتقاطع مع بعضنا لبعض، فان ما يجمعنا من لغة وتاريخ وعادات وتقاليد ومستقبل وثروات واهداف أكثر بكثير مما يفرقنا من مفاهيم دخيلة على مجتمعنا، فبناء الامم لا يتحقق من فراغ ولا يعلو بالتمني، بل بالعمل الجاد وبالتحمل الجماعي لأعباء مسيرة طويلة وشاقة ولكنها ممتعة وتستحق السير لبلوغ ما نصبو اليه. 

سفير جمهورية العراق في الولايات المتحدة الاميركية

الرابط: http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=96077